صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

24

تفسير القرآن الكريم

لحفظ ظواهر الأقوال ، المغترّين بإبداء الشبهات ، وهم الذين إذا جاءتهم البيّنات يفرحون بما عندهم من العلم . وفي هذا التمثيل حال المنافقين الذين هم من أهل النسك وأهل التقليد من غير بصيرة تامّة وإياهما عني في قوله صلّى اللّه عليه وآله : قصم ظهري رجلان عالم متهتّك وجاهل متنسّك . و عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » : قطع ظهري رجلان من الدنيا رجل عليم اللّسان فاسق ورجل جاهل القلب ناسك هذا يصدّ بلسانه عن فسقه وهذا بنسكه عن جهله فاتّقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبّدين أولئك فتنة كلّ مفتون . فوجه المماثلة هاهنا إنّ المراد من المطر هو الايمان ، أو القرآن لكونه منشأ الحياة المعنويّة والأرزاق الاخرويّة . والظلمات هي الشبهات والمتشابهات التي يخفى وجهها على الجهّال والأرذال ويضلّون في إدراكها ، كما قال يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . والرعد والبرق والصواعق ، هي التكاليف الشاقّة بعضها من باب الأعمال وبعضها من باب الاعتقادات كفعل الصلاة والصيام والحجّ وترك الرياسات والمجاهدة مع الآباء والأمّهات وترك الأديان القديمة والاعتقاد بحقيّة هذا الدين ، والانقياد له . فكما إن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيّب الذي هو أشدّ الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة فكذا المنافق الجاهل يحترز عن الايمان أو القرآن بسبب هذه الأمور زعما منه إن الغرض منها إيلامه وتخويفه وتشديد الأمر عليه بحيث يكاد يوجب هلاكه ، ولم يعلم إن فيها شفاء لما في الصدور وتنويرا للقلوب وإحياء للنفوس المريضة بداء الجهالة ورحمة للذين آمنوا وهدى للعالمين . والمراد من قوله يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ( مِنَ الصَّواعِقِ ) حَذَرَ الْمَوْتِ إنّ الجاهل المنافق

--> ( 1 ) الخصال : باب الاثنين ، 10 / 69 .